فخر الدين الرازي
62
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
في رواية حفص فَنِعِمَّا هِيَ بكسر النون والعين وفي تقريره وجهان أحدهما : أنهم لما احتاجوا إلى تحريك العين حركوها مثل حركة ما قبلها والثاني : أن هذا على لغة من يقول ( نعم ) بكسر النون والعين ، قال سيبويه : وهي لغة هذيل ، القراءة الثالثة وهي قراءة سائر القراء فَنِعِمَّا هِيَ بفتح النون وكسر العين ، ومن قرأ بهذه القراءة ، فقد أتى بهذه الكلمة على أصلها وهي ( نعم ) قال طرفة : نعم الساعون في الأمر المير المسألة الرابعة : قال الزجاج : ما في تأويل الشيء ، أي نعم الشيء هو ، قال أبو علي الجيد : في تمثيل هذا أن يقال : ما في تأويل شيء ، لأن ما هاهنا نكرة ، فتمثيله بالنكرة أبين ، والدليل على أن ما نكرة هاهنا أنها لو كانت معرفة فلا بد لها من الصلة ، وليس هاهنا ما يوصل به ، لأن الموجود بعد ما هو هي ، وكلمة هي مفردة والمفرد لا يكون صلة لما وإذا بطل هذا القول فنقول : ما نصب على التمييز ، والتقدير : نعم شيئاً هي إبداء الصدقات ، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه . المسألة الخامسة : اختلفوا في أن المراد بالصدقة المذكورة في هذه الآية : التطوع ، أو الواجب ، أو مجموعهما . فالقول الأول : وهو قول الأكثرين : أن المراد منه صدقة التطوع ، قالوا : لأن الإخفاء في صدقة التطوع أفضل ، والإظهار في الزكاة أفضل ، وفيه بحثان : البحث الأول : في أن الأفضل في إعطاء صدقة التطوع إخفاؤه ، أو إظهاره ، فلنذكر أولًا الوجوه الدالة على إخفاءه أفضل فالأول : أنها تكون أبعد عن الرياء والسمعة ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يقبل اللّه مسمع ولا مراء ولا منان » والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة والمعطى في ملأ من الناس يطلب الرياء ، والإخفاء والسكوت هو المخلص منهما ، وقد بالغ قوم في قصد الإخفاء ، واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ ، فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى ، وبعضهم يلقيه في طريق الفقير ، وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطي ، وبعضهم كان يشده في أثواب الفقير وهو نائم ، وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره ، والمقصود عن الكل الاحتراز عن الرياء والسمعة والمنة ، لأن الفقير إذا عرف المعطي فقد حصل الرياء والمنة معاً وليس في معرفة المتوسط الرياء وثانيها : أنه إذا أخفى صدقته لم يحصل له بين الناس شهرة ومدح وتعظيم ، فكان / ذلك يشق على النفس ، فوجب أن يكون ذلك أكثر ثواباً وثالثها : قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أفضل الصدقة جهد المقل إلى الفقير في سر » و قال أيضاً « إن العبد ليعمل عملًا في السر يكتبه اللّه له سراً فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية ، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء » و في الحديث المشهور « سبعة يظلهم اللّه تعالى يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله : أحدهم رجل تصدق بصدقة فلم تعلم شماله بما أعطاه يمينه » و قال صلى اللّه عليه وسلم : « صدقة السر تطفئ غضب الرب » ورابعها : أن الإظهار يوجب إلحاق الضرر بالآخذ من وجوه ، والإخفاء لا يتضمن ذلك ، فوجب أن يكون الإخفاء أولى ، وبيان تلك المضار من وجوه الأول : أن في الإظهار هتك عرض الفقير وإظهار فقره ، وربما لا يرضى الفقير بذلك والثاني : أن في الإظهار إخراج الفقير من هيئة التعفف وعدم السؤال ، واللّه تعالى مدح ذلك في الآية التي تأتي بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى : يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [ البقرة : 273 ] والثالث : أن الناس ربما أنكروا على الفقير أخذ تلك الصدقة ، ويظنون